قصة “سنبلت على كعب” وبركة العطاء
في سنوات قديمة حينما كانت هذه البلاد تمر بفترة جوع وشظف عيش، وقبل أن يتم توحيدها على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله، انطلق اثنان من البصر، أحدهما من عائلة السحيم والآخر لا أريد ذكر اسمه وإلا فهو معروف. ولكنني لا أستطيع أن أتبين من هو الشخص الثاني من السحيم، وإنما يقال: ذهب فلان من السحيم إلى إحدى البقاع جنوب غرب البصر.
وكان لهم فيها آبار، كل واحد منهما له بئر، وقرروا أن يزرعوا القمح، وكانت فترة جوع شديد جدًا جدًا. وزرعوا وظهر الزرع على وجه الأرض.
ولأن الناس كانوا في زمن فيه جوع كانوا يبحثون عن أي شيء يؤكل، وطبيعة القمح إذا نبت أن تكون أوراقه حلوة في أيامه الأولى ويمكن أن تستساغ وتؤكل.
فكان بعض النسوة المعدمات تأتي إلى مزرعة السحيم وتحصد من الزرع وتأكل. وكان جاره يدرك أن الناس سيأتون ويحصدون من الزرع فيجلس ويحرس زرعه. وكان السحيم إذا أقبل على المزرعة ووجد النساء تحصده ابتعد عن المزرعة ليترك لهن فرصة أن يحصدن ما شاء الله أن يحصدن.
وطبيعة القمح إذا تقدم عمره يصبح مرًا لا يستساغ في الأكل، فحصدوه مرة ومرتين وثلاثًا إلى أن أصبح مرًا فتركوه. وجار السحيم يرصد زرعه فلم يؤكل منه ورقة واحدة.
فخرجت السنابل، ولأن مزرعة السحيم حصدت أكثر من مرة لم يكن للزرع ساق طويل، فخرجت سنابله قريبًا من الأرض فلم يكن بينها وبين الأرض إلا كعب أو كعبين، والعامة تسمي مفاصل القمح كعبًا. وإذا صار مثل هذه الحالة يصفونه بقولهم: (سنبلت على كعب) وهذا مثل معروف عند أهل القصيم، أي ليس بين سنبلة القمح والأرض إلا كعب.
فأصبحت مزرعة السحيم كأنها سنبلة واحدة قريبة من الأرض وتهتز، وشكلها كان بهيًا يعجب الزراع من جماله وكثافته والبركة التي كانت فيه.
وكان السحيم وجاره يسقون الزرع على النواضح (الإبل) وهي ما تسمى بالسواني، وإخراج الماء بالسانية يحتاج إلى بكرة (أي محالة). وظلوا يسقونه حتى لم يبق على الحصاد سوى أسبوع أو قريبًا من ذلك، فيحصدونه ويجمعونه في مكان تجمع فيه السنابل ثم يدرس فيستخرج ما فيها من الحب.
وبينما هم ينتظرون باقي أسبوع أو قريبًا من ذلك أقبلت سحابة عظيمة وكانت فوق المزرعتين وكان معها ريح، فصبت على المزرعة التي حماها صاحبها لئلا يأكل الفقراء منها شيء بردًا مع الريح، فلم تبقِ فيها سنبلة واقفة وكنسته كنسًا.
والسحيم يرى هذه السحابة ويدرك أنها ثقيلة وقوية جدًا وأنها فوق مزارعهما، فلما انقشعت السحابة ذهب ليطمئن على مزرعته، فقابله جاره الذي حفظ زرعه عن الفقراء وهو يحمل المحالة على رأسه. فقال: هاه يا أبا فلان ما الخبر؟ فقال: اذهب إلى مزرعتك فوالله إنها سنبلة تهتز ما انكسر منها سنبلة. فقال: وأنت؟ قال: ما بقي فيها سنبلة على أصلها كنسته الريح والبرد.
وهذه القصة معروفة في البصر ومتداولة ومشهورة.
فهذا الذي حفظ ماله عن الفقراء عاقبه الله محقًا تامًا وحرمانًا تامًا، والذي أطعم الفقراء حفظ الله عليه ماله وبارك له فيه وعوضه خيرًا.
وهذا درس لنا في التعامل مع المال ومع احتياج الناس، وأن نعلم أن الذي يضع البركة ويبارك في الأموال هو الله سبحانه وتعالى وليس التحوط أو كثرة المنع والجمع. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل الدنيا بأيدينا وليست في قلوبنا ويبارك لنا فيما آتانا ويجعلها عونًا لنا على طاعته.
أعده: فريق القسم الإعلامي